أبي حيان التوحيدي

190

المقابسات

حالة خالية الأيام الماضية ، قبل أن حوى حده ، وملك صورته واقتنى به خاصته ونوعه وفصله وجنسه وعرضه ، ثم إنه كان على حال أخرى ولم يكن يحب من ذلك أن لا يكون في الثاني على هذه الجملة ؛ فكذلك إن كان الآن على ما هو عليه ، ثم تحول عنه إلى ما ليس الآن عليه ، ليس ينبغي أن يكون منكرا مردودا ، متعجبا منه مجحودا ، لأن الذات باقية كما كانت في الأول ، وإنما تخللت حجبا ، وقطعت طرقا ، واستعملت أشكالا ، وأظهرت أحوالا ، واستكملت استكمالا ، ونالت شرفا وعلوا وجلالا 32 مقابسة [ في علة امتناع الرؤيا في المنام ] سمعت عبيدة الكاتب يقول لأبى محمد العروضي - وكان أبو محمد يتفلسف ولزم يحيى بن عدي دهرا - أنا قليل الرؤيا ، وقد ساءني هذا ، وقد خلت ان ذا من عمى القلب ؟ فقال أبو محمد : هذا يكون من أمرين مختلفي المرتبتين : أحد الأمرين كدر النفس بالجهل ، وظلمتها بالغباوة ، وانمحاء صورتها بصدإ الدهر ، وقلة اقتناء المعارف ، وشدة انجرادها من الغير ، وهذه حال دهماء العوام . وأما الآخر فهو أن تعلو النفس في مراتب المعارف وترتعى رياض العلم ، فيصير حالها في الحلم قسيمة حالها في اليقظة ، إلى الكهانة ، حتى إذا حدس قرطس ، وإذا ظن طن ، وإذا وهم هجم ، وإذا اعتبر عبر ، وربما تحولت إلى ما يرفد العقل فقط باستخراج الدقائق ، وتأليف المقدمات ، واستنباط النتائج والوصول إلى سواد الحق وبحبوحة الصواب ؛ وربما صارت الحال مصارفة للحقائق بزوال الوسائط ، أي من غير إعمال أداة وإحضار آلة